الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

135

تفسير روح البيان

المطر من السماء أربعين يوما بمياه كثيرة وامر عيون الأرض فانفجرت فكان الماءان سواء في اللين غير أن ماء السماء كان مثل الثلج بياضا وبردا وماء الأرض مثل الحميم حرارة حتى ارتفع الماء على أعلى جبل في الدنيا ثمانين ذراعا ثم امر الأرض فابتعلت ماءها وبقي ماء السماء لم تبتلعه الأرض فهذه البحور التي على وجه الأرض منها واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جزر عن الأرض حين خلق اللّه الأرض من زبده انتهى وَيا سَماءُ أَقْلِعِي اى أمسكي عن إرسال المطر يقال اقلع الرجل عن عمله إذا كف وأقلعت السماء إذا انقطع مطرها فالاقلاع يشترك بين الحيوانات والجمادات قال العلماء قيل مجاز مرسل عن الإرادة كأنه قيل أريد ان يرتد ما انفجر من الأرض إلى بطنها وان ينقطع طوفان السماء وذلك بعد أربعين يوما وليلة - روى - انه لا ينزل من السماء قطرة من ماء إلا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان يوم الطوفان فانزل بغير كيل ووزن . وأصل الكلام قيل يا ارض ابلعي ماءك فبلغت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فاقلعت عن إرساله وغيض الماء النازل من السماء فغاض وترك ذكره لظهور انفهامه من الكلام وَغِيضَ الْماءُ اى نقص ما بين السماء والأرض من الماء فظهرت الجبال والأرض والغيض النقصان يقال غاض الماء قل ونضب وغاضه اللّه نقصه يتعدى ويلزم وهو في الآية من المتعدى لان الفعل لا يبنى للمفعول بغير واسطة حرف الجر الا إذا كان متعديا بنفسه وَقُضِيَ الْأَمْرُ اى أنجز الموعود من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين فالقضاء هاهنا بمعنى الفراغ كأنه قيل تم أمرهم وفرغ من إهلاكهم وإغراقهم قال في المفتاح قيل الأمر دون ان يقال امر نوح لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك قال السيد اما لان اللام بدل من المضاف اليه كما هو مذهب الكوفية واما لأنها تغنى غناء الإضافة في الإشارة إلى المعهود وَاسْتَوَتْ واستقرت الفلك واختير استوت على سويت اى أقرت مع كونه انسب باخواته المبنية للمفعول اعتبارا لكون الفعل المقابل للاستقرار اعني الجريان منسوبا إلى السفينة على صيغة المبنى للفاعل في قوله وهي تجرى بهم مع أن استوت اخصر من سويت عَلَى الْجُودِيِّ هو جبل بالجزيرة بقرب الموصل أو بالشام أو بآمد - وروى - في الخبر ان اللّه تعالى أوحى إلى الجبال انى انزل السفينة على جبل فتشامخت الجبال وتواضع الجودي للّه تعالى فارست عليه السفينة : قال السعدي قدس سره طريقت جز اين نيست درويش را * كه افكنده دارد تن خويش را بلنديت بايد تواضع كزين * كه آن نام را نيست راهى جز اين والتواضع آخر مقام ينتهى اليه رجال اللّه تعالى وحقيقته العلم بعبودية النفس ولا يصح مع العبودية رياسة أصلا لأنها ضد لها ولهذا قال المشايخ قدس اللّه أسرارهم آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ولا تظن ان هذا التواضع الظاهر على أكثر الناس وعلى بعض الصالحين تواضع وانما هو تملق لسبب غاب عنك وكل يتملق على قدر مطلوبه والمطلوب منه فالتواضع سر من اسرار اللّه تعالى لا يهبه على الكمال الا لنبي أو صديق كما في المواقع وعن علي رضى اللّه أشد الخلق الجبال الرواسي والحديد أشد منها إذ ينحت به الجبل والنار تغلب الحديد والماء يطفى